للاسف هذه المدونة اصبحت ارشيف فقط، لمتابعة جديد مقالاتي يرجى زيارة موقعي الشخصي BassamShhadat.com

سوس العمل

عاتبني صاحبي ذات يوم على غفلتي بعض الوقت عن عمل كنت منوطا به , وتكلفت بمسئوليته , واذكر أنني يومها قد تكدرت من معاتبته , ووجدت عليه وقالت لي نفسي إن عتابه ربما يكون بهدف آخر أو رغبة منه لبيان تقصير في عملي .. ولكنني سرعان ما عدت لنفسي وعاتبتها , وبعد جلسة تجردت فيها في الحكم على العمل , وأحسنت الظن بصاحبي .. وجدت أنني فعلا قد أخطأت في غفلتي تلك عما أنيط بي من عمل , وأن نصيحته لي نافعة لي بكل حال سواء في الدنيا أو في الآخرة , فرفعت يدي بالدعاء له ..

ماحدث لي مع صاحبي قد يحدث كثيرا مع أناس آخرين , لكنهم للأسف لا ينظرون إلى الناصح لهم إلا نظرة سلبية , ويعتبرون من ينصحهم بإتقان أعمالهم هو منتقص لهم وغير محب ..

إنه لأسى موغل في القلب أن نرى من بيننا من يهمل فيما هو مسئول عنه من عمل , وينشغل عما لو لم يقم به هو فلن يقوم به غيره , وينسى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتقان العمل بقوله ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وصححه الألباني

هذا ما أسميته ” سوس العمل ” الناخر فيه من داخله , حيث يظل السوس بالعمل حتى يصير شكلا خارجيا بلا معنى داخلي ولا قلب , ويأكله السوس من داخله فما يلبث أن يصير رمادا !!

في بعض الأحيان يتعدى الأمر مجرد الإعراض عن النصيحة إلى سماح المرء لنفسه أن يأكل ما قد لايحل له من مال , وعندئذ تكون المصيبة , فلو أن أحدنا كلف بعمل تلقاء أجر ما وتعمد تركه والإهمال فيه ولم يقم بدوره المطلوب منه فهو على خطر كبير من حل هذا الأجر إذن ..
ولو أن أحدنا تكفل بعمل وعقد عليه عقدا , فالمسلمون عندئذ على شروطهم كما في الحديث الثابت ولا يحل له إخلال الشرط عمدا بغير عذر ..

العجيب أن أحدنا لا يقبل بحال أن يهمل عامل له في عمل يختص به , أو أن يغفل أجير له عما استأجره عليه , بل يسعى جاهدا أن يستوفي منه أضعاف ما اتفق معه عليه .. إلا أننا في حسابنا لأنفسنا يختلف الأمر !!

وإنما أرى أن ذلك إنما هو من غفلتنا عن مراقبة أحوالنا مع الله ربنا , فنؤتي إلى الناس مالا نحب أن يؤتى لنا , ونرفض لأنفسنا ما نستحبه لغيرنا .. وننسى قول نبينا صلى الله عليه وسلم ” لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” متفق عليه

لقد جعل الإسلام من الإتقان وصفا مهما للشخصية المسلمة الفعالة , فالله سبحانه لا يقبل الأعمال التي تعلوها الغفلة , بل لم يقبل سبحانه من العمل إلا ماكان متعمدا ومحددا بنيته الصالحة ومخلصا له سبحانه لا يشرك فيه معه أحد مهما كان ..

ولم يقبل سبحانه من الصلاة إلا ماعقل منها المرء , أما ماغفل فيها فلا قيمه له عند الله , يقول صلى الله عليه وسلم : ” إن أحدكم ينصرف من صلاته وما كتب له منها إلا نصفها إلا ثلثها حتى قال : إلا ثمنها ..” حسنه الألباني
والزكاة لا يجزىء منها إلا ما كان بشروطه وفي مخرجة الصحيح , والحج يفسد عند التفريط في أركانه وينقص عند التفريط في واجباته , وقراءة القرآن تصير تبعة على المرء إن لم يحسن فيها القصد والمتابعة ..وهكذا

فالإتقان إذن سمة أساسية ووصف ملاصق لكل ما أمر به الشرع من عمل صالح ..
وتخيل معي مجتمعا قد أتقن أفرادة مسئولياتهم فيه فأدى الحاكم حق الرعية وأدى القائمون على الأعمال حقوق الناس وأدى الصانع عمله متقنا وأدى المراقب عمله مخلصا وأدى القاضي عمله متجردا لربه ..تخيل معي حال هذا المجتمع النظيف المتقن لعمله ..

وبالمقابل فانظر معي لصورة كثير من مجتمعاتنا وقد دب فيها التهاون والتغافل عن الحقوق والمسئوليات , وحمل البعض أعمالهم على الآخرين , وصار نصب عين الموظف كيف ينتهي يوم عمله سواء أتقن أو أهمل , وتكاسل العمال عن آداء مهامهم وتقاعص المسئولون عن أدوارهم ..فأي مجتمع إذن أنت ترى ؟! إنه مجتمع هش متآكل من الداخل ما يلبث أن ينهار ..

إن الإتقان في العمل والمسئولية قيمة تربوية ومرتكز نفسي مؤثر , على أساسه ينبني الإنسان المسلم من بدايات حياته الأولى فاعلا ومؤثرا وناجحا , فيدع العجز والكسل , والقعود والخمول , وينطلق حيث الفعالية المؤثرة في شتى المجالات ..

عار علينا أي عار أن نرى مجتمعات الغرب وقد أدركت ذلك المفهوم , ونحن الذين نمتلك مبادئه وقيمه نهمل فيه , فنرى أنفسنا وقد قدنا ركب التخلف الحضاري في حين قاد الآخرون ركب التقدم .. فأي شينة ومنقصة تلك التي نوصف بها ونحن في تلك الحال ؟!

إن إتقان العمل تنشأ بذرته في القلوب عندما تعتاد إتقان عبوديتها لربها , ومتابعتها لنبيها , فتتعود الإحسان في خطواتها جميعا , وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم في حديثه إذ يقول :” إن الله كتب الإحسان على كل شىء “أخرجه مسلم , كما تتعود ألا تنتظر من أحد أن ينتقدها لكي تعمل ولا تخشى من آخر أن يراقبها كي تتقن , ذلك لأنها إنما تتعامل في الدنيا بروح شريعة ربها ونور وحيها الخالد المبثوث في كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ..

منقول و المقال بقلم : خالد روشه



7 تعليقات to “ “سوس العمل”

  1. يقول عزت بحري:

    المشكلة أخ بسام أن روح الاسلام غير موجودة في كثير من مفاصل حياتنا طبعا هذا الأمر ليس حجة لدى الانسان المسلم ولكنه من الصعب أن تتعامل مع مجتمع يرفض أحيانا فكرة السلام الاسلامي وينظر إليك كأنك بدائي قادم من التاريخ وكالعادة لقد تم ربط التطور بالتخلي عن الدين وتم تصوير العلمانيين كأنهم مخلصوا البشرية وبدأت الأفكار البشرية الغير صالحة للاستهلاك بالتفشي أكثر من قبل والمبدأ الأعلى هو // هذا ما وجدنا عليه أبائنا // طبعا أنا لا أحاول تضخيم ألمور وتحميلها فوق ما تستوجب ولكن المشكلة أن هناك انعدام ثقة بين صاحب العمل والعامل وكل منهم ينظر الى الآخر نظرة اللص الذي يريد سرقته وطبعا كل الأمور تفسر بضعف روح الاسلام في مجتمعنا الذي تحول غالباً الى مسلمون على الهوية ومن هنا نرى أن جميع مشاكلنا سببها هذا الضعف وحلها تقويمه وبرأيي الشخصي أرى أن الطريق الصحيح لهذا التقويم هو شن حملة على تلك القنوات الفضائية الفاسدة وما أكثرها فهي سبب ازدياد انعدام الاخلاق الاسلامية المطرد أو على الأقل توعية الناس بأن يقوموا بمشاهدة القنوات الدينية والقنوات الملتزمة فقط .. وأؤكد لك أن كثير من الناس يحتاجوزن الى هداية وسيصبحون على خير وايمان
    شكرا لك أخ بسام على هذا المقال الواقعي
    والحمد لله رب العالمين

  2. يقول زياد بشير:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شكرا اخ بسام على هذا الطرح الرائع وفقك ربي وسدد خطاك
    اما بالنسبه لموضوع الاتقان في العمل فها نحن نرى نظريات كامله عن موضوع الجوده والاتقان ولكن ما احزنني فعلا انني لم ارى ولا كاتبا مسلما الف شي في هذا الموضوع او طرح نظريه معينه بخصوصه لانني وهو موضوع من صلب الدين الاسلامي حيث لم تخرج نظريه اودراسه الا ووجدت لها حديث نبوي شريف او ايه قرآنيه تتكلم فيها وعندما تفسر الاحاديث النبويه اوالايات القرآنيه تجدها تتكلم عن موضوع الاتقان والجوده اذا فالمشكله ليست في شخص او شركه او مجتمع المشكله هي في عدم الفهم الصحيح لديننا وعدم التطبيق الفعال لتعاليمه
    والسلام عليكم

  3. يقول علوش:

    أبي كان له دور كبير في تربيتي على اتقان العمل، بتذكر لما كنا عم نصلح باب الجنينة، قلي: شوف شلون أخوك يعيطه العافية مركب القفل بقرف، وهلأ ما عاد فينا نصلحه، طلع فيني وقلي، إياك تشتغل شي، إذا بدك تشتغله بقرف، يا أما اشتغله صح، او لا تشتغله أبداً.

    مجتمعنا لا يتعمد الاتقان بأي شيء.

    الاتقان هو انعكاس لما انت عليه، يفرض الاحترام ويشجع على تقديم المزيد.

    لك حتى الحرامية ما بيعرفوا يسرقوا باتقان، تخيل !!!.

    شكراً كتير إلك.

  4. اختيار موفق يا بسام.
    في الموضوع لفتات جميلة ولعل اهمها ما طرح حول اهمية التدقيق في محاسبة النفس, وان اتقان العمل يبدأ من النية.

    صفحة “من تكون” لا تعمل.

    دمت بخير يا بسام.

  5. يقول RedMan:

    شكراً لكم أخواني على التعليقات Ùˆ الإضافات ØŒ أخي عزت تصور الناس للإنسان الملتزم بدينه أنه قادم من التاريخ شي مزعج حقاً، أخي سنمار الصفحة تعمل Ùˆ لا يوجد بها مشكلة إذا كانت المشكلة مستمرة أرجو أن تخبرني عن طريق صفحة ” لمراسلتي ” Ùˆ انا شاكر لتنبيهك .

  6. يقول أبو عبدو:

    كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون

  7. يقول Maitham:

    لا اعرف ماذا اقول اكتفيت بالقراءة
    تسلم

اضف تعليق